السعيد شنوقة

70

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

لكن لأهل السنة في هذه المسألة موقف آخر : رأوا الحق مع الإمام علي في محاربة من حارب . وعدّوا أصحاب الجمل مخطئين في قتال علي ولم يروا خطأهم كفرا أو فسقا يجرّدهم من الشهادة « 1 » . ونخلص من هذه المفاهيم إلى أن الخوارج أثروا في المعتزلة لأنهم أيدوهم في تسمية المذنبين الخالدين في النار كفرة ، فكلاهما يعدّ كافرا تارك الواجبات والمقدم على المفاسد والمقبّحات - وهي حال الفاسق - « 2 » . ويتجلى هذا التأثير في موافقة واصل وعمرو ابن عبيد الخوارج في تأبيد عقاب صاحب الكبيرة في النار مع قولهما بأنه موحّد وليس بمشرك ولا كافر ، ولهذا قيل للمعتزلة : إنهم مخانيث الخوارج لأن الخوارج خلّدوا أصحاب الذنوب في النار ، وسموهم كفرة وحاربوهم ، وخلّدهم المعتزلة كذلك « 3 » إلّا أنهم لم يجرءوا على تسميتهم كفرة وعلى قتال فرقة منهم فضلا عن قتال مخالفيهم « 4 » . ولكن كيف يمكن أن نفهم موافقة المعتزلة لهم في هذا التوجه وهم الذين سموا مرتكب الذنب « لا مؤمنا ولا كافرا » وأن له حكما ثالثا ؟ ألا يطرح هذا شيئا من التناقض ؟ الجواب هو أن واصل ابن عطاء وضح المقصود حين قال : إن صاحب الكبيرة إذا خرج من الدنيا عن غير توبة يخفف عنه العذاب ، وتكون دركته فوق دركة الكفار « 5 » . ويلتقي المعتزلة مع الخوارج أيضا في الإمامة بأنها اختيار من الأمة يفوض لها اختيار من يطبق أحكام الله سواء كان من قريش أم من المسلمين ، والمهم أن يكون عدلا مؤمنا دون مراعاة نسب ، وذلك ما يلزم في كل عصر ، وبهذا اتفقوا كذلك مع السنة لأنهم يرون الوصول إلى سدة الحكم ناتجا عن موافقة الأمة ومبايعتها أو

--> - فيه لإمامهم المختفي خفية رغم إظهارهم الطاعة لمن بيده الحكم ، فإذا ما أصبحوا في موقف قوة ثاروا بالسلاح على الدولة القائمة الظالمة في نظرهم . انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، تحقيق هلموت ريتر ، دار إحياء التراث العربي ، ص ، 470 ، 57 ود . محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، ج 2 ، ص 8 ، 9 . وكذا ، ج 3 ، ص 180 . ( 1 ) انظر : البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 119 . ( 2 ) انظر : القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 355 ، 356 . ( 3 ) انظر : البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 117 . ( 4 ) انظر : م ن ، ص 119 . ( 5 ) انظر : الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 62 ، 63 .